محمد العربي الخطابي
12
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
لم تنشط حركة التأليف في الأغذية والأدوية بالأندلس إلا في القرن الرابع الهجري ، وذلك بفضل همّة الخليفة عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر اللذين بعثا في الميدان العلمي حركة ونشاطا كبيرين ، وأما قبلهما فلم تخبرنا مصادر العلوم بظهور أيّ كتاب أندلسي في موضوع الأغذية والأدوية باستثناء كتاب « طبّ العرب » ؛ وبقيت الأندلس تعتمد على ما يصلها من المشرق الإسلامي من كتب مترجمة أو موضوعة كمؤلفات أبقراط وجالينوس وأهرن القسّ وما سرجويه وبولس الأجانيطي وحنين بن إسحاق وأبي بكر محمد بن زكريا الرازي وإسحق بن عمران وإسحق بن سليمان وأبي جعفر أحمد بن الجزّار وغيرهم . هذا ويحدّثنا ابن جلجل عن رجال عاشوا قبل زمانه زاولوا مهنة الطبّ والجراحة وكانت لهم في مسائل الأدوية تجارب ومذاهب ولكنهم لم يتركوا تأليفا في ذلك . وتروى عنهم أشياء تدخل في باب النوادر ، ومن هؤلاء جواد النصراني الذي عاش في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن ( 238 - 273 ه / 857 - 886 م ) ، فقد كان هذا الطبيب يتصرف في أدوية نسبت إليه ، ومنها دواء الراهب ، ولعوق جواد ، وأدوية نباتية أخرى من صنف السّفوفات كانت تنسب أيضا إلى حمدين بن أبان الذي عاش في نفس العصر وقيل عنه إنه أول من اشتهر بالطب في بلاد الأندلس « 11 » . وفي أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن أيضا ورد من المشرق طبيب اسمه الحرّاني ، « أدخل الأندلس معجونا كان يبيع السقية منه بخمسين دينارا لأوجاع الجوف » وكان الحرّاني ضنينا بهذا الدواء يأبى أن يطلع غيره من الأطباء على سرّ تركيبه ، وبقي مصرّا على ذلك إلى أن كاشفه زملاؤه الأطباء بأنهم عرفوا العقاقير التي تدخل في هذا المعجون بعد نظر منهم وفحص وتخمين فأقرّهم وأيّد صحة تخمينهم إلا أنه قال : « ما عدّيتم من أدويته شيئا لكن لم تصيبوا تعديل أوزانه » « 12 » ، ولما كانت مسألة تناسب المقادير في أخلاط الأدوية المركّبة ذات أهمية في علم الصيدلة فقد نزل . الحرّاني عند رغبة الأطباء وأطلعهم على سر تركيب هذا المعجون العجيب الذي يسمّى بالمغيث الكبير . نقل ابن جلجل
--> ( 11 ) ابن جلجل ، ص 93 ، صاعد في « طبقات الأمم » ، تحقيق حياة العيد بو علوان ( بيروت 1985 ) ، ص 186 ؛ ابن أبي أصيبعة ، 3 : 65 . ( 12 ) ابن جلجل ، ص 94 - 95 .